محمد ابو زهره

761

خاتم النبيين ( ص )

الأمر الثاني : الشطط في شروط قريش ، وفي إملاء العقد ، وأشد شطط وغبن أن من خرج مسلما لا يقبله النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بل يرده إلى وليه ، ومن عاد إلى مكة المكرمة مرتدا لا يردونه ، فقد كان ظاهر الشرط أن فيه غبنا على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، إذ فيه عدم مساواة ، ولكن إن نظرنا إلى الشطر الثاني وهو عدم رد من يخرج من الإسلام إلى الشرك ، فإنه عند التأمل لا نجد فيه ضررا على المسلمين فما حاجة الإسلام إلى مرتد حائر ، فليذهب إلى حيث شاء ، بدلا من أن يكون شوكة في المسلمين ، وقد يرضى أن يبقى منافقا ، وينضم إلى صفوف أهل النفاق ، فيكون عينا على المسلمين وعلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وأما بالنسبة للجزء الأوّل من الشرط ، وهو أن من خرج من مكة المكرمة مسلما يرد إلى وليه ، فقد كان بلا شك شاقا في ذاته ، وخصوصا عندما دخل عليهم أبو جندل يرسف في قيوده . وإن هذا الجزء من الشرط وإن كان شاقا في مظهره صعب التحمل إلا لمن كان قوى الإيمان ، فإن تطبيقه أدى في نتائجه إلى الضرر على المشركين ، ولم يضار به النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم والمؤمنون ، حتى إن المشركين الذين كان الشرط من جانبهم ولمصلحتهم هم الذين طلبوا إلغاءه . ولنذكر تطبيقه كما أوضحت كتب السيرة وصحاح السنة : كان أوّل من طبق عليه الشرط أبو بصير عتبة بن شيد بن جارية ، وكان ممن أسلم وحبس بمكة المكرمة ، وقد استطاع أن يخرج من محبسه ، وأراد الذهاب إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فكتب إليه بعض المشركين يطلبون تسليمه بمقتضى الشرط وبعثوا رسولين يتسلمانه ، وهما رجل من بنى عامر ابن لؤي ، ومولى له ، فقدما على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وعنده أبو بصير فقال له النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم « يا أبا بصير ، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا » قال : يا رسول اللّه أتردنى إلى المشركين يفتنوننى في ديني . قال الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « يا أبا بصير انطلق ، فإن اللّه تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا » . انطلق معهما ، واندمج معهما في الحديث ، وأظهر الاستسلام ، حتى اطمأن إليه العامري ، فقال : يا أخا بنى عامر أصارم سيفك هذا ؟ قال نعم ، قال أنظر إن شئت ، فاستله أبو بصير ، وأراد أن يختبر صرامته ثم علاه به حتى قتله ، فولى المولى مسرعا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد ، فقال : إن هذا الرجل قد رأى فزعا ، ثم قال له : ويحك مالك ؟ قال إن صاحبكم قد قتل صاحبي ، وبينا هو يشرح حاله ، وكيف قتل العامري ، طلع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على